Thursday, June 08, 2006

عصور الاضمحلال (1)سقوط الدولة القديمة


" ينتقل الحكيم بعد ذلك لمخاطبة الملك المسن فيقول له : إن القيادة و الفطنة و الصدق معك و لكنك لا تنتفع بها , فالفوضى ضاربة أطنابها في طول البلاد و عرضها , و لكنك مع ذلك تغذي بالأكاذيب التي تتلي عليك , فالبلاد قش ملتهب و الإنسانية منحلة , ليتك تذوق بعض هذا البؤس بنفسك" الحكيم إيبور

علي مر سنوات الدراسة المدرسية كان دائما ما يتكرر هذا المصطلح "عصور الاضمحلال" في مادة التاريخ و كنت دائما ما أتساءل ما ذا كان حال الشعب في هذه الفترات الطويلة و المتعددة من التاريخ , و كنت أيضا أشعر بالتعاطف مع من عاشوا تلك الأيام و كيف تحملوا الحياة في هذه الأوقات و بالطبع كنت أنظر إلي هذا الأمر من بعيد باعتبار إنني لم أحيا و لن أحيا في مثل هذه الأجواء و حينما كنا نسأل عن أهم مظاهر عصور الاضمحلال كانت الإجابة معروفة
. ضعف الحكام –
. اتساع نفوذ رجال الدين و تدخلهم في السلطة –
. انهيار الزراعة و الصناعة –
. انتشار المجاعة و الفقر و الأمراض -
. ضعف الجيش –
. ازدياد نفوذ الوزراء و حكام الأقاليم و استبدادهم للشعب –
. قيام الحركات الانفصالية ( الفتن الطائفية ) –
. التدخل الأجنبي في البلاد الذي يصل إلي حد الاستعمار –
و بعد فترة من الزمن اكتشفت إنني أحيا في عصر من عصور الاضمحلال و إن كل المظاهر السابقة هي مظاهر للفترة التي نحيا فيها
كانت تراودني منذ فترة طويلة فكرة التشابه بين الواقع الذي نحيا فيه و بين الماضي الذي نقرأه ليس فقط التاريخ الفرعوني و لكن علي مر التاريخ الإنساني كانت هناك حركات من المد و الجزر تتمثل في فترات من الازدهار و آخري من الاضمحلال فما كان مني إلا إنني اتخذت قرارا خطيرا ألا و هو السباحة في بحر التاريخ و متابعة هذه الفترات و كيف تمت السيطرة عليها لعلنا نستفيد من عبر و دروس الماضي في الحاضر و المستقبل لأنني أثق في عبارة ما أشبه الليلة بالبارحة فالظلم و الاستعباد و الفقر و البطالة و التدخل الأجنبي ليست مظاهر و وليدة هذا العصر و لكنها مظاهر من مظاهر الحياة الإنسانية منذ ظهور المجتمعات القديمة و أعتقد أيضا أن أسبابها متشابهة
و لقد وصفت هذا القرار بالخطير لأن التاريخ يمثل بالنسبة لي " النداهة " فحينما أفتح كتاب أو موسوعة تاريخية أفقد الإحساس بالوقت و أهمل كل شيء فيما سواه و لكنني أتمني أن أكون هذه المرة حكيما بحيث أقاوم نفسي
في البداية لن أتطرق إلي عصور ما قبل الأسرات لعدة أسباب أهما عدم وجود الميراث الكافي لهذه الفترة كما أنها ليست شهيرة جدا في التاريخ المصري فبداية سوف أتناول سقوط الدولة القديمة و نهاية عصر بناة الأهرام
بداية السقوط
يحدثنا التاريخ عن بداية انهيار الدولة القديمة متمثلة في انهيار الأسرة السادسة و خاصة في عهد " بيبي الثاني" الذي حكم البلاد أكثر من ثلاثة أجيال و سبب ذلك يرجع لتفشي الثورات الداخلية و إغارة الأجانب من البدو علي البلاد فقد كان كل حاكم من حكام المقاطعات الوارثين منهمكا في المحافظة علي مقاطعته و كانت الحكومة المصرية في تلك الأثناء يرثي لها فقام الشعب بثورة اجتماعية طاحنة امتدت لأكثر من قرنين من الزمان.
عصر الفوضى ( مقتبسة عن رسالة للحكيم إبور موجهه لفرعون " علي الله يسمع و يتعظ ")إلي هنا أري التشابه بين ما يحدث في مصر مبارك و ما حدث في مصر بيبي الثاني و أتمني ألا يحدث في مصر مستقبلا ما سأقوم بسرده من أحداث
شهد عصر الفوضى اختفاء نفوذ فرعون و زوال أملاكه و ضياع الحقوق المدنية و الدينية و ساد الخوف و انتشر القحط وعم الانحلال الخلقي و عدم المبالاة بالتقاليد الدينية و كثرت العصابات حتى أن الرجل كان يذهب ليحرث أرضة و معه درعه و انتشرت الأمراض و الأوبئة و كثر عدد الموتى بحيث استحال دفنهم و ألقيت جثثهم في الماء كالماشية الميتة ( هي العادة المهببة ديه في دم المصريين من زمان قوي كده ) و قضي علي الضحك و لم يعد يسمع و تفشي الحزن في البلاد و الأطفال الصغار يقولون "كان يجب عليه آلا يجعلنا علي قيد الحياة " ( مثلما ألقت أم بطفلها من الدور الرابع بمبني مجمع التحرير الفرعوني لأنها لا تجد ما تطعمه و بعد سخرية موظفي الشئون الاجتماعية منها , صوت الأمة العدد السابق "مش جنبي عشان أكتب رقمه أو تاريخه") و الرجل يقتل أخاه و انتشر قطاع الطرق و أصبحت القاذورات تخطف من أفواه الخنازير بسبب الجوع انقلبت طبقات المجتمع و استولي الفقراء علي أموال الأغنياء و صار الأغنياء فقراء لا يملكون قوت يومهم و يرتدون الأسمال .
و .................. فلنكتفي بهذا القدر أظن أن الفكرة وصلت
هذا هو عصر الفوضى بعد سقوط مصر القديمة و بالطبع فما سبق قليل جدا و يعد إيجاز مخل و لكني أردت فقط أن أوضح فكرة و أعتقد أنها وصلت كما إنني راعيت أن من سيقرأ هذا الموضوع لا يجد وقتا كافيا لكي يعيش هذا المشهد الكئيب بكل تفاصيله , و يكفي توضيح أننا نسير في هذا الاتجاه بخطي ثابتة و توضيح أيضا أن ضعف نفوذ فرعون أو الحاكم الذي تحدث عنه المؤرخين ليس ضعفا في السيطرة علي الشعب و إخماد ثوراته بل هو ضعف في الرؤية و معالجة مشاكل البلاد ضعفا في البصيرة و الإخلاص و هو في النهاية ضعفا بشريا حينما يظن الحاكم أنه فوق الجميع و فوق الحق و العدل و فوق الشعب و فوق الله
و أخيرا أحب أن أبرز جملة مهمة قالتها الدكتورة كريمة الحناوي لأحد منبعجي الحكومة " إنتوا دلوقتي بتوجهوا مجموعة من المثقفين ليهم مطالب عادلة و لكن أحزروا فقد تواجهون قريبا الجياع " و حينما تهب ثورة الجياع لن تقل عن ما حدث في عصور الفوضى فهل من مستمع

يتبع - -
المصدر التاريخي: موسوعة " مصر القديمة " لسليم حسن, الجزء الأول "مصر القديمة", سقوط الدولة القديمة و الثورة الاجتماعية

2 Comments:

Blogger Abdou Basha said...

كنت أقرأ في نفس الموضوع منذ مدة، وكتبت عن مشابهات بين عصر الاضمحلال الأول - رغم اعتراض البعض على التسمية - وبين العصر الذي نعيش فيه .

الصراحة قررت ألا أنشر ما جمعته، في أي مكان، لأنني وجدت أسلوبي حادا، ومتشائما .

4:54 AM  
Blogger CHE GUEVARA said...

أعتقد أنه لا يوجد أسلوب أخر للتعبير عن الهاوية التي نتجه إليها بخطي ثابتة لا أعتقد إن عدم نشر أرائك فكرة صائبة حيث أن الموضوع بغاية الأهمية و لن أستطيع وحدي أن أبرز كافة الجوانب و التفاصيل الكثيرة و لكن إذا قام الكثيرون بالحديث في هذا الموضوع فقد نستطيع إحراز التأثير المناسب
لقد كنت سعيد جدا بمقالة لبلال فضل في صحيفة الدستور تتناول هذا الموضوع و لكن من حقبة زمنية قريبة

8:03 AM  

Post a Comment

Links to this post:

Create a Link

<< Home